top of page

لمة رمضان..المرأة البغدادية بين الحفاظ على التقاليد ومواكبة العصر


يحل شهر رمضان الكريم كل عام، حاملاً معه عبق التقاليد البغدادية الأصيلة. لكن مع مرور الزمن، بدأت ملامح هذا الشهر الفضيل تتغير، لتفسح المجال أمام أساليب جديدة للاحتفال به. سوف نسلط الضوء في هذا المقال على رحلة التحول التي شهدتها العادات الرمضانية في بغداد، من خلال قصص عائلات بغدادية.


تقاليد الأمس لا تصمد أمام تحديات اليوم


في بيوت منطقة المنصور، كما في كل بيت بغدادي، يتم الإستعداد لرمضان قبل أن يهل هلاله، تتذكر نادية نوري، 57 عامًا، كيف كانت الاستعدادات تبدأ قبل أسبوع أو أكثر، من تنظيف شامل للمنزل يشمل غسل الستائر وترتيب أدق التفاصيل، إلى الذهاب إلى الأسواق، وشراء كل ما يلزم من المؤن وتجهيز الكبب والخضار المجمدة، وطبعا لا يمكن أن يغيب عصير النارنج عن مائدة الإفطار، فهو جزء لا يتجزأ من الطقوس الرمضانية. لكن نادية، كغيرها من نساء جيلها، تلاحظ التغيير في طرق الاستعداد لرمضان، " ففي حين كانت الأيدي هي من تصنع كل شيء، اليوم تعتمد النساء على أساليب حديثة، ربما توفر الوقت والجهد، لكنها تفتقد لروح تلك الأيام التي كانت تجمع نسوة العائلة أو الجيران لتحضيرات شهر رمضان." وتضيف " كانت المائدة الرمضانية تحظى بأهمية قصوى، حيث كانت تتزين بأشهى الأطباق، وعلى رأسها الدولمة، سيدة المائدة العراقية، وشوربة العدس الدافئة، التي تداوي تعب الصيام. لم يكن الأمر مجرد أطباق، بل احتفالاً بالتراث والنكهات للمطبخ العراقي، حيث تتجمع العائلة حول المائدة، لتبادل الأحاديث والذكريات. تلك الأيام تحمل في طياتها بساطة وحنينا، تجعل من رمضان شهرًا استثنائيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى."


لكن شيلان محمد (29 عاما)، الابنة الكبرى لنادية، ترى أنه ما بين مسؤوليات العمل والأطفال، لم يعد الوقت يتسع لتلك الاستعدادات التقليدية، حيث تستعين هذه الأخيرة بمساعدة منزلية لتنظيف البيت، بينما تختار المؤن المجمدة والجاهزة، وأغلب الخضار واللحوم تطلبها عبر صفحات الفيسبوك وتطبيقات التوصيل، وتؤكد أنها تفضل طلب كميات محدودة، " فالتنويع مطلوب، وتجربة موائد الإفطار في المطاعم تضيف نكهة جديدة لرمضان" وتتابع "نعتمد على المطاعم والتطبيقات لتلبية رغباتنا المتنوعة. ونحب تجربة الأطباق الجديدة، من المطبخ الآسيوي إلى المأكولات البحرية." وحسب رأيها، لم تختف التجمعات العائلية، ولكنها اتخذت أشكالًا جديدة. "بدلًا من المائدة المنزلية، نفضل الذهاب إلى المطاعم، حيث يمكننا الاستمتاع بأجواء رمضانية مميزة، وخدمة مريحة. صحيح أن بعضًا من روح رمضان الماضي قد تغير، لكننا نحاول أن نخلق ذكريات جديدة، تتناسب مع نمط حياتنا العصري."


الروحانيات في عهد التحول التكنولوجي


تستذكر هيفاء كريم، 66 عامًا، كيف كان رمضان في زمنها يمثل انعكاسًا روحيًا للمجتمع، لا مجرد شهرٍ عابر.

"كانت الأجواء تفيض بالروحانية، منذ وقت السحور حتى وقت ما بعد الإفطار، أصوات التراويح مع تهاليل الذكر. كان هذا الشهر الكريم فرصة للتطهير الروحي، فنجتمع في البيوت لإحياء ختمات القرآن، بينما تتجه القلوب صوب المساجد والمقامات المقدسة في منطقة الكاظمية والإمام الأعظم في منطقة الأعظمية، نحرص على زيارة هذه الأماكن حيث نشعر بالروحانية تتجلى في كل ركن. كذلك كانت أبواب منازلنا مفتوحةً للمحتاجين، فمشاركة الطعام والحلويات بين بعضنا البعض تمثل جزءًا لا يتجزأ من قيمنا الرمضانية."

وتضيف "رمضان ليس مجرد طقوس فردية، بل تجسيد لوحدة المجتمع وتآلفه ولطالما كان شهرا يجمع العراقيين بالرغم من كل ما مروا به من معاناة على مدار السنوات التي شهدنا فيها أيام صعبة".


تستعيد هيفاء كريم أيضا صورة المرأة في رمضان، "أيام البساطة وعدم التكلف"، وهي التي تمثل الركيزة الأساسية للبيت والمجتمع، "فهي المسؤولة عن كل شي، من تنظيف البيت، إلى تحضير وجبات الإفطار والسحور. تقضي معظم وقتها في المطبخ، تعد أشهى الأطباق لأفراد العائلة والجيران، كما تتنافس النساء على إعداد الأطباق التقليدية، ويتبادلن الوصفات وأسرار الطبخ." ولكن بالنسبة لها، فإن دور المرأة لا يقتصر على الأعمال المنزلية، بل تعمل على نقل القيم والعادات الرمضانية للأطفال داخل العائلة، عبر حرصها على تعليمهم قراءة القرآن، وأداء الصلوات، والالتزام بالأخلاق الحميدة والقيم".


من جهتها، ترى مها إبراهيم، 31 عامًا، أن رمضان في بغداد اليوم لا يزال يحمل بعضًا من الروحانيات القديمة، لكنه يتكيف مع تحديات العصر. "أنا شخصيًا أحرص على أداء الصلوات في المسجد القريب من منزلي، وأستمع إلى المحاضرات الدينية عبر الإنترنت. صحيح أن زيارة الأماكن الدينية أصبحت أقل، ربما بسبب ضغوط الحياة اليومية والالتزامات، لكننا نحاول أن نستغل وسائل التواصل الاجتماعي لتبادل الأدعية والذكر." وتضيف "أنا أعتبر التطوع في الأعمال الخيرية ومساعدة المحتاجين طريقة أخرى للتقرب إلى الله في رمضان، فأنا أؤمن بأنه يظل شهرًا للخير والبركة، وأن كل جيل يجد طريقته الخاصة للتقرب إلى الخالق."


يعتبر الدكتور سالم الجبوري، الباحث في التراث الشعبي أن هناك تحولًا ملحوظًا على مستوى العادات والتقاليد في رمضان بفعل تأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية على المجتمع البغدادي.

"إن التحول من نمط الحياة التقليدي إلى النمط الحديث والسريع، قد أثر بشكل واضح على الأجواء الرمضانية، فقد تقلصت التجمعات العائلية الكبيرة لكثرة الانشغالات، وحلت محلها لقاءات مختصرة في المطاعم أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن الاعتماد على الطعام الجاهز والوجبات السريعة، قد أثرّ على طابع المائدة الرمضانية، التي كانت تتميز بأطباق تقليدية تحضر بأيادي نساء البيوت."

ويضيف الجبوري: "لا يمكن إغفال تأثير التكنولوجيا، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياة الناس، حتى في رمضان، فالمحاضرات والبرامج الدينية عبر الإنترنت، والتطبيقات التي تساعد على تنظيم العبادات كأوقات الصلاة وتنظيم ختمة القرآن، أصبحت جزءًا من المشهد الرمضاني. ولكن، يجب أن نحذر من أن هذه التغيرات قد تؤدي إلى فقدان بعض القيم والعادات وعدم نقلها للأجيال الجديدة، التي تميز شهر رمضان. لذلك فإنه من واجبنا أن نسعى إلى الحفاظ على جوهر هذا الشهر، مع الاستفادة من التكنولوجيا والأساليب الحديثة التي تسهل حياتنا."



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

Comments


Follow Us !

Thanks for submitting!

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

فتيات ضحايا لهيمنة العادات بمستقبل مجهول.png
bottom of page